ابن كثير

179

البداية والنهاية

ففعلوا وسلمه إليه فدخلوا به بغداد ، وتلقاه الرشيد وأكرمه وأجزل له في العطاء ، وخدمه آل برمك خدمة عظيمة ، بحيث أن يحيى بن خالد كان يقول : خدمته بنفسي وولدي : وعظم الفضل عند الرشيد جدا بهذه الفعلة حيث سعى بالصلح بين العباسيين والفاطميين ، ففي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة يمدح الفضل بن يحيى ويشكره على صنيعه هذا : ظفرت فلا شلت يد برمكية * رتقت بها الفتق الذي بين هاشم على حين أعيا الراتقين التئامه * فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم فأصحبت قد فازت يداك بخطة * من المجد باق ذكرها في المواسم وما زال قدح الملك يخرج فائزا * لكم كلما ضمت قداح المساهم قالوا : ثم إن الرشيد تنكر ليحيى بن عبد الله بن حسن وتغير عليه ، ويقال : إنه سجنه ثم استحضره وعنده جماعات من الهاشميين ، وأحضر الأمان الذي بعث به إليه فسأل الرشيد محمد بن الحسن عن هذا الأمان أصحيح هو ؟ قال : نعم ! فتغيظ الرشيد عليه . وقال أبو البختري : ليس هذا الأمان بشئ فأحكم فيه بما شئت ، ومزق الأمان . وبصق فيه أبو البختري ، وأقبل الرشيد على يحيى ( 1 ) ابن عبد الله فقال : هيه هيه ، وهو يبسم تبسم الغضب ، وقال : إن الناس يزعمون أنا سممناك . فقال يحيى : يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة ورحما وحقا ، فعلام تعذبني وتحبسني ؟ فرق له الرشيد ، فاعترض بكار ( 2 ) بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير فقال : يا أمير المؤمنين لا يغرنك هذا الكلام من هذا ، فإنه عاص شاق ، وإنما هذا منه مكر وخبث . وقد أفسد علينا مدينتنا وأظهر فيها العصيان فقال له يحيى : ومن أنتم عافاكم الله ؟ وإنما هاجر أبوك إلى المدينة بآبائي وآباء هذا ثم قال يحيى : يا أمير المؤمنين لقد جاءني هذا حين قتل أخي محمد بن عبد الله فقال : لعن الله قاتله ، وأنشدني فيه نحوا من عشرين بيتا ، وقال لي ، إن تحركت إلى هذا الامر فأنا من يبايعك ، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة وأيدينا معك ؟ قال : فتغير وجه الرشيد ووجه الزبيري وأنكر وشرع يحلف بالايمان المغلظة إنه لكاذب في ذلك ، وتحير الرشيد . ثم قال ليحيى : أتحفظ شيئا من المرثية ؟ قال : نعم . وأنشده منها جانبا ( 3 ) . فازداد الزبيري في الانكار ، فقال له يحيى بن عبد الله ، فقل : إن كنت كاذبا فقد برئت من حول الله وقوته ، ووكلني الله إلى حولي وقوتي . فامتنع من الحلف بذلك ، فعزم عليه الرشيد وتغيظ عليه ، فحلف بذلك

--> ( 1 ) في مروج الذهب 3 / 417 : ذكره وسماه موسى بن عبد الله ، ثم قال : وقيل إن صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد الله . ( 2 ) في الطبري 10 / 56 : بكار بن عبد الله مصعب ( انظر مروج الذهب 3 / 417 وفيه : عبد الله بن مصعب ) . ( 3 ) في مروج الذهب 3 / 417 ذكر منها : قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا * إن الخلافة فيكم يا بني حسن في شعر طويل .